كتب :  مروان عبد العال

جرأة الشوق أن تجتاح فيروز، صباح الحي الدمشقي صهيلا على مدّ الشّوارع، نازعا قفل النّزوحِ من حقيبة سفر. تشرخ أرقامه تعاويذ الإستباحة والبحث عن شيء لا تعرفه لأنّه ليس فيك. تتلاشى أسرارُ الصّمت كلّها تحت سطوة صوتها. هناك، وفقط هناك لا يمكنه أن يكتم في القلب سرا.

لا تعرفُ أنتَ من يغلّ كلماتك حرجا وانت تقترب من مدينة موغلة في الحب الثقيل، وفي حرب الياقات الباذخة من أجل موت نحيل. تمتطي الضحية كل الطرق، تروى على مسامع الزائر يوميات قتل يوميٍّ بشع، تتسرب تحت المعاطف الثمينة لتحرق أعصاب منتحلي رمزها على كل المفارق. تتناثر فتات رجفٍ بين صمت يخترقه أزيز طلقة، وطريق يُعّبد بجثث قتلى منزوعي العناوين ممسوحي الصّور.

رغم ذلك، ألحّت لياقة الزّيارة بواجب عِيَادةِ الأمكنة المكابرة. مع إلحاحها تذكّرتُ ذات وجعٍ، يوم خذلتني مناديل النسوة على أبواب المخيم، كلّ نزوح يستطيع أن يخذل قلبك من قاع لهفتِه! لطالما أبقتني الدموع طفلا خائبا لا يعرف طريق الوصول. كأنِّي أتوسّل الوجوه في اللقاء الباهت، ولا أعثر، رغم اجتهاداتي النّادرة في التوسّل، عليها في خرائب الروح. تبدّلت نظرات المدينة، وتربصت ابتسامة حذرة على شفاهٍ مفعمة بالمرارة. قزّمت أسئلة تشاهقت عمرا وحلما في الرؤوس.

هكذا يلحّ فضول السياسيّ على ملامسة الواقع، ولو اشتعل في بدنهِ حرائق، ويصرّ لهف الروائي على سرد مزنّرٍ بورد الحدائق. وفي وحشة الليلة اليتيمة يمشي خلف اخر الساهرين مقتفياً أثر الحمام، كأوضح علامات الحنين إلى النّبض، وهو يرتطم بأنفاسٍ تتلعثم بالرماد وزجاج خطّأته نظافة وضوحه. وأنت لا تعرف وهو يتساقط أمام دهشتك، أهي عادة اللّجوء في الإرتطام الحتمي، أم أنّه استثناء البحث عن مساحة مفتوحة على مُواجهة!، فالحمام لا يعرف متّى تكون المرايا مسرحا لأحدهما. إنّها صدفة الفندق المهجور بوسامة تاريخه أن تقودني خطواتي إلى مفترق بلا خيار واضح حتّى لحمامات السّماء!. كان الطريق قصيرا جدا، لكنّهُ لم يتمكّن من تجاوزه بسرعة اللّهفة الّتي أحرقت أعصاب قدميه.

إنه جبل قاسيون، شاهد ضربته الخيانة بالهرم. ينهض من العتمة ويرتدي إطلالة الشمس زيّ مرور لديكِ الصّباح. كم يبدو حالما وواهنا، وهو يشعل فيئه في عينيها، ويراقب دورانها. يرددُ ” أنا باق، ولن يزحزحني الموت”، ولا، لن أرحل. يرتّب تضاريس دمشق من موقعه، ويحتل بشموخ وهنِهِ معادلة الجغرافيا. يكتب يوميّات الخطفِ الممنهج، تاريخا لجدائل ياسمينها المقصقص. أردتُ أن تغفر لي واجب زيارتها، فأغمضت عينيها، وتذرّعت بضيقِ الصّدر.

على باب بيروت يشبعك الذنبُ عتبا على مدينة تشقى، وهي تداوي رقصا، أو جنوناً نزيف روحها. من يدرك طقوس العشق موتا، مؤكّدا لا يتقن فنّ الإحتراب. أيْ مدينةً, جعلت ناسها في حالة إياب وأخذتني إليها وحيدا على خط ذهاب !

همسَ الياسمين وأفضى إليّ بسرِّ عطر يتجوّلُ في شوارعها عشقا..”قد يمضى المارة بألوان زهرهم ورصاصهم، لكن العطر يظلّ يتسلل إلى ياقات قلوبهم، ليتسلّق أسوار منازل أغلقت أبوابها كي يُحدِثَ أجمل احتلال في تاريخ الحروبات”. من القلب سحرا إلى القلب موتا،ً وينغرس سهما في رونق الأزل.

خبّرني، يا وردُ، كيف تهزم الفراغ البارد في بقايا السفر، وتخضرّ فيك كل العِبَر؟ بين الورد والوريد تخفقُ كلماتُكِ الآن من شرايين كرمل مشوّق ينتظر. متى إذن يشمخ قاسيون ويبتسم، يرتل لها كلّ أغاني الرّغبةِ والشّغفِ، وأنشر قبلاتِ وَجدي مرايا لارتطام الحمام في المقل؟

تركتُ على ظلال قلبي بعضاً من صوتك: يا شآم ، أنت وحدك، الأميرة، يعلو باسمك الهام و الإلهام والهمم …

 

Advertisements