بقلم  الدكتور: خالص جلبي  

 fuadee

الفلسفة ليست ضلالاً ولا ألغازاً، بل جذع شجرة العلوم، ورحم المعرفة، وبهجة الفهم ولذَّته، كما قال إسبينوزا الفيلسوف الهولندي منذ القرن السابع عشر. وحينما اطلعت على الفلسفة خطر في بالي مشروع جريء، وهو أن الناس تنظر إلى الفلاسفة في التاريخ بمنظار مزدوج من الشك أو الأحجية؛ أي أن الفكر الفلسفي هو إما غير مفهوم، كما يروي لي أنا شخصياً بعض من يقرأ لي أنه لا يفهم كثيراً مما أقول، وأكتب، أو الموقف الثاني وهو أنه يقود إلى الزيغ والضلال. إن الفلسفة متعة عقلية، وتحرير لإرادة الإنسان، وصقل عقله تجاه المعضلات، وإجابات رائعة عن تساؤلات مزعجة، كما أنها رفع للإنسان إلى مستوى الإنسان، أن يصبح كائناً رائعاً، ليس أنه يأكل ويشرب؛ بل ويفكر. والفلسفة بهذا ترد الإنسان الى إنسانيته حينما تميزه بالتفكير. ومشكلة الفلسفة أنها تُكتب في كثير من الأحيان بكثير من التعقيد، ولذلك كان المشروع الذي خطر في بالي، أن أهضم التراث الفلسفي كله، وأعرضه على عقل الإنسان المسلم، وهو يماثل مشروع الأحاديث الحيوية التي سأشرحها لاحقاً، عن الاستفادة من التراث النبوي، فنعيد ذلك النشاط العقلي الذي كان في الفترة الذهبية من التاريخ الإسلامي، حينما كان العلماء وطلابهم يناقشون أعوص المسائل الفكرية في المساجد، ولا يجدون حرجاً في ذلك، حيث كانت الجوامع جامعات. وهذا المشروع اشتغل عليه عبدالرحمن بدوي، وأبدع فيه، ولكن مشكلته أنه تراث ضخم لا يقرأه إلا الصابرون النادرون، وما نحتاجه ذلك التراث الفلسفي السهل بحيث ننشر ثقافة فلسفية شعبية. وهو ما قاله الوردي عن وظيفة السفسطائيين، أنهم كانوا أشبه برواد شعبية المعرفة في أثينا يومها. وانتبه إلى معنى (الجامع) في الإسلام الكاتب الليبي (النيهوم) حينما قال إن (الجامع) هي من كلمة جامع لكل شيء، ونحن نعلم أن عائشة -رضي الله عنها- رأت رقص الحبشة بالحراب في فناء المسجد من خلف كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان المسجد مكان عقد الألوية للقيادات العسكرية.

 

Advertisements