بقلم الدكتور  : خالص جلبي

طبيب  جراح ومفكر  سوري مقيم في المانيا


رأى الفيلسوف (باسكال) تناقضاً غير قابل للحل في كينونة الإنسان بين الحب والحزن، والقداسة والنجاسة؛ فالإنسان ينبوع للحب وبالوعة للضلال والشك، وطبيعة الإنسان التي يمتزج فيها الملاك بالوحش امتزاجا شديدا تكرر التناقض بين العقل والجسد، وتذكرنا بالكمير الذي زعمت الأساطير اليونانية أنه عنزة لها رأس أسد وذيل ثعبان … يا لهذا الإنسان من كمير!! 
ياله من بدعة ووحش وفوضى، وتناقض ومعجزة، هذا الحكم في كل شيء، ونموذج الغباء في الأرض، مستودع الحق، وبالوعة الضلال والشك، مفخرة الكون ونفايته، فمن ذا الذي يحل لنا هذا اللغز المعقد؟ 
وشقاء الإنسان لغز آخر، فلم شقي الكون هذا الشقاء الطويل لينجب نوعاً من الخليقة شديد الهشاشة في سعادته، كثير التعرض للألم في كل عصب، وللحزن في كل حب، وللموت في كل حياة. 
وعلق الفيلسوف الألماني (فردريك نيتشه) على إنشاء وزارات الدفاع أنها خطاب واضح لسوء النية في الآخرين؛ فنحن هكذا قررنا أن جيراننا سيهاجموننا؛ فعلينا بالتمترس والتحصن وبناء (وزارات الدفاع) والحروب عادة تأتي من أجواء متوترة في العلاقات من هذا النوع، بآلية الدفاع المزدوج؛ فكل طرف يدافع عن نفسه، وكل طرف يتهم الآخر أنه هو الذي بدأ بالهجوم؟‍‍! 
وتروي لنا قصة الأوديسة أن ملك (ايتيكا) اوديسوس الضائع في رحلة العودة إلى بيته أن حلاوة الحب كانت له عزاءً في عالم مليء بالقسوة والعنف. 
ولا يمكن أن يدور أي حوار وينتهي بنتيجة خصبة مثمرة في جو مشحون بالغل والكراهية؛ فالحب والاعتراف بالآخر وعدم تهميشه وإلغائه قاعدة أساسية لإدارة دفة الحوار؛ ومنه فإن خطاب السياسي الأمريكي (صامويل هانتجتون) في صدام الحضارات ينطلق من أرضية مشبعة بالريبة والشك، والعنف الخبيث، وإلغاء الآخر ومركزية الذات. 
ولعله ينفعنا في يومياتنا أن نتبنى قواعد للحوار صارمة نربي أنفسنا عليها، في محاولة استنبات وسط الحب فنقول مخاطبين أنفسنا مع كل حوار قد يكون ساخناً: 1 ـ أن لا أنفعل مهما حدث 2 ـ أن لا أغلّط في حق الآخر مهما تحدث ( كلمة جارحة ، استهزاء ، سب ، استخفاف) 3 ـ أن لا أرفع صوتي مهما تحدثت 4 ـ أن أصغي للآخر قبل أن أجيب 5 ـ الاستعداد للتراجع إذا تبين الخطأ 6 ـ أن لا أخاف أمام التهديد 7 ـ أن لا أكره أو أحقد على المختلف معي 8 ـ الاستعداد للاعتذار حتى لو خامرني الشعور أنني لم أخطئ احتراماً لشعور الآخر أنه أسيء إليه ، فأحد تجليات العنف اللفظة السامة والتعبير الحاقد 9 ـ أن أجعل جو الحديث ودياً بالابتسامة العذبة, والنكتة البريئة، والتعليق اللطيف 10 ـ أن أذكِّر نفسي بالقواعد السابقة، ولا مانع من وضع الورقة أمامي حتى تنغرس في اللاوعي. 

Advertisements